الجمعة، ١٠ يوليو ٢٠٠٩

هل تساهم العلوم في توطيد الإلحاد؟ (غير مكتمل)



في بداية أيام دراستي للفيزياء في مرحلة البكالوريوس، و بوصفي مسلما، كنت أظن أن أعظم علماء العالم متدينون -ليش شرطا أن يكونوا مسلمين، و إنما يؤمنون بوجود خالق لهذا الكون-، لكنني اكتشفت أن كثيرا منهم -بل و أشخاص يعدون من أعظم علماء الطبيعة- ملحدون ثم وجدت أن كثيرا من العلماء و المفكرين في الغرب خارج نطاق علم الطبيعة- ملحدون أيضا.

ذلك أمر أثار استغرابي -بوصفي مسلما-، و لكنني و لدراستي في بيئة غربية لمرحلة الدراسات العليا و اطلاعي على كثير من كتب الملحدين، مما أتاح لي فرصة التعرف عن كثب على طريقة تفكير الملحد فهمت إلى حد ما سبب اختيارهم للالحاد. فدعوني أناقش باختصار مسألة الالحاد و الإيمان بوجود خالق من وجهة نظر شخصية.

الإيمان بوجود خالق هو أمر منتشر بين الناس من قديم الزمان بل هو صفة كونية و فطرية (universal and innate). فهو أمر يكاد أن يكون مغروسا في النفس -على حد تعبير عالم البيولوجيا التطورية Richard Dawking الذي يعد من أكبر العلماء الملاحدة المعاصرين، بل و المحاربين للأديان بشكل عام (المصدر في الهامش رقم ١)-. و هذا منعكس في حقيقة أن أكثر من ٥٤٪ من الناس يؤمنون بالإله الواحد -monotheism- أو بشكل عام فإن ٨٤٪ من الناس هم أتباع ديانات تؤمن بالخلق (المصدر في الهامش رقم ٢).

الإلحاد في المقابل، أصبح -لدى الغرب و غيرهم- دلالة على استقلالية المرء الفكرية. لأن أكثر الملحدين كانوا أتباع ديانات و لكنهم رفضوا الإيمان بمعتقدات تلك الديانات بحجة أنها غير منطقية و لا يمكن اختبارها تجريبيا. و اللادينيون كذلك و إن كان بعضهم يؤمن بوجود خالق أو وجود هدف لهذا الكون. و لكن هناك رأي أن الإلحاد و اللادينية و اللاأدرية، تشكلت بشكل كبير باعتبارها ردة فعل ضد الأديان، و هذا ما سأحاول أن أبينه في مقالي هذا، و خاصة من الجانب العلمي.

من وجهة نظر علمية طبيعية بحتة، ليس بإمكان المؤمن بوجود الخالق ولا الملحد أن يثبت أحدهما بشكل مباشر -تجريبيا أو رصديا- وجود أو عدم وجود خالق. لأن هذا السؤال خارج عن اهتمام/نطاق العلوم الطبيعية في الأصل.

العلوم الطبيعية -كما يراها المختصين- ليست قادرة على الإجابة عن كل الأسئلة التي يطرحها الإنسان فهناك أسباب تكمن في قصور الوسائل العلمية نفسها، أو خروج السؤال عن نطاق العلوم.

تحديدا، يوجد من يحاول من بعض أصحاب الديانات أن يستغل العلوم ليثبت ديانته، فقد شاهدنا و قرأنا كثيرا من التأويلات لبعض النظريات العلمية لإظهارها بأنها تدعم أو تثبت، مثلا، القرآن أو التوراة أو الانجيل. و من منطلق علمي، أعرف يقينا أن كثيرا مما يقال لا يصح لأن كاتب المقال أو المتكلم؛ يجهل النظرية، و لا يعرف عنها سوى ما يقرؤه في كتب تبسيط العلوم و التي قد تحوي أخطاء في التشبيه و عدم دقة.
فإذا أنت لم تدرس البنية الرياضية و التجريبية للنظرية بدقة و من منطلق علمي صارم. فلن تحصل على فهم صحيح لها. و بالتالي فإن استنادك عليها لإثبات أو نفي الدين أو الخالق هو استخدام قاصر.

في المقابل، هناك ملحدون يستغلون العلوم لإثبات أنه لا وجود للخالق على الرغم أن الإجابة على هذا السؤال ليست من اهتمامات العلوم. و سأبين تحديدا ماذا أقصد بهذه العبارة، و سأضرب أمثلة عليها.

من الأسئلة التي ليست لها إجابة علمية حتى الآن: ما هي الحياة؟ فمن وجة نظر فيزيائية و كيميائية الأحياء و الجوامد هي عبارة عن ذرات و جزيئات. و إن كانت الأحياء تمتاز بأنها تملك خلايا و DNA و بروتينات تحوي مركبات كيميائية معقدة جدا. فهناك مركبات جامدة مقعدة أيضا، بل إنه بالإمكان تصنيع بعض المركبات الكيميائية الموجودة في الأحياء و لكن دون إمكانية اكسابها صفة الحياة.

قضية الحياة. قضية معقدة و تعتمد على تعريف الباحث لها. فإذا قلنا أن الحياة هي استطاعة النظام -أيا كان- أن يتبع قوانين محددة و أوامر، فهذا ينطبق على كل شيء في الكون. فحتى الذرات نفسها لا تتألف بشكل عشوائي و إنما بناء على قوانين الطبيعة. كما أن الـ DNA و الـ RNA يحمل الأوامر و يعمل ضمن قوانين بيولوجية محددة غير معروفة علميا بشكل دقيق و كامل نظرا لتعقيد تلك الأنظمة.

الكون محكوم بقوانين الطبيعة. و هنا نأتي إلى وجهات نظر متباينة. بعض العلماء يرى أن تلك القوانين مجرد صدفة، بينما يرى آخرين أنها قوانين وضعت من قبل من صنع الكون، أو الخالق. و لكن إثبات ذلك خارج عن نطاق العلوم. و لكن العلوم لا تستطيع أن تجيب على أكثر الأسئلة فضولا: لماذا كانت القوانين الطبيعية على ما هي عليه الآن؟ و لو أنها انزاحت قيد أنملة عما هي عليه لما كان لنا وجود في الأصل!

هناك مشكلة علمية و هي أننا نجهل الكثير عن هذا الكون. فالقوانين و النظريات و التجارب التي نعرفها و التي سوف نقوم بها لن تجيب عن كل الأسئلة العلمية المطروحة -فضلا عن الأسئلة غير العلمية-.

مثلا، نظرية التطور. هي نظرية تحاول أن تجيب على السؤال: ما هو أصل تنوع الأحياء؟ و الإجابة العلمية التي يرجحها أكثر العلماء هو عن طريق الانتخاب الطبيعي. و لكن، ليس من ضمن اهتمامات النظرية أن تجيب على السؤال: كيف و لماذا يتم هذا الانتخاب؟ و ما هو أصله؟ أو حتى ما هو أصل الحياة؟
و لكن، تجد المتدين الذي يؤمن بالتطور يقول أن الخالق هو الذي أمر، بينما الملحد يقول أن الانتخاب مبني على الصدفة و أن الحياة مبنية على الصدفة. و أكرر أنه ليس من نطاق العلوم تقرير أيهما الصحيح. بل هي وجهات نظر يتم إسقاطها على النظرية لكي يدعم كل واحد وجهة نظره. هذا فضلا عن أن النظرية لا يمكن إثباتها -أو نفيها- تجريبيا لأننا نحتاج للانتظار ملايين السنين حتى نرصد التطور إن وجد.


مثال آخر هو تجربة المصادم الهادروني الكبير LHC أو ما يعرف إعلاميا بتجربة الانفجار العظيم. تجد كلا الطرفين يقول أن التجربة سوف تثبت وجهة نظره. و هي آراء مبنية على جهل بالتجربة. فالتجربة ليست من اهتماماتها إثبات أو نفي الخالق. و إنما دراسة مكونات الكون و استكشاف حالة الكون عند طاقات بعيدة عن الطاقة المفترضة لبداية الكون و لكن مدة زمية قريبة. و أقصد تحديدا أن هذه التجربة لا تستطيع دراسة الانفجار العظيم نفسه -إن وجد- لأن الطاقة المفترضة لذلك الحدث تتجاوز طاقة هذه التجربة بمعامل قدره عشرة مرفوعة للقوة ١٨ (أي واحد و ١٨ صفرا على يمينه). إن بناء أجهزة بإمكانها الوصول إلى تلك الطاقة هو أمر خارج عن إمكانيات البشر حاليا و ربما إلى مئات السنين و ربما إلى الأبد. و السبب وراء ذلك هو الصعوبة التقنية، فحتى الآن لا يعرف العلماء كيف يمكنهم تجاوز طاقة المصادم الكبير بمعامل قدرة ١٠، فما بالك بـ ١٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠!

و في هذا المجال (مجال علم الكون) هناك أسئلة لا يجيب عنها العلم لأنها خارجة عن نطاق النظرية و التجربة. فنظرية الانفجار العظيم تفترض أن طاقة الكون في بدايته كانت طاقة عظيمة جدا جدا. و لكن لا توجد إجابة عن مصدر تلك الطاقة. و بغض النظر وجهات نظر المتدينين و الملحدين في الأمر.

لقد حاولت في هذه النبذة السريعة أن أكتب مقالا حياديا -على الرغم من أني مسلم و أعتقد أن العلوم تساهم في إثبات وجود الخالق لا نفيه إذا ما نظرنا إلى بعض الحقائق الكونية التي أشار إليها القرآن- و هدفي أن أبين أن العلوم لا تؤيد الإلحاد، و لا بعض ما يقال من قبل أصحاب الأديان. قد أتطرق في مقال آخر إن شاء الله لمسألة الدين و العلوم من منطلق يختلف نوعا ما عن منطلقات القائلين بالإعجاز العلمي.


كتبه معين بن جنيد



(١) المصدر هو مقابلة شخصية مع ريتشارد داوكين على الرابط التالي:
http://www.youtube.com/watch?v=Pm4HbqUKmY0

(٢) http://www.adherents.com/Religions_By_Adherents.html

ليست هناك تعليقات: