‏إظهار الرسائل ذات التسميات نقد ثقافي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات نقد ثقافي. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، ١٥ أغسطس ٢٠٠٨

إذا تكلم المرء في غير فنه أتى بهذه العجائب!

"إذا تكلم المرء في غير فنه أتى بهذه العجائب!": كملة قالها ابن حجر -رحمة الله عليه-. و هي أول ما خطر ببالي عندما قرأت مقال الدكتور خالص جلبي -وفقه الله- في مجلة المجلة و المعنون بـ”الانفجار العظيم على وجه الأرض”.

هدف المقال هو عرض جملة من المعلومات حول تجربة المصادم الهادروني الضخم (LHC)، و التي تعد أضخم تجربة في تاريخ العلوم. و هدفها هو سبر أغوار المادة إلى أصغر القياسات الممكنة، و أعلى الطاقات الممكنة؛ لكي يزداد فهم العلماء للطبيعة (في مستوى الجسيمات الأولية و التداخلات الحاصلة بينها)، و لكي يستشفوا الإجابات عن أسئلة نظرية (نسبة إلى الفيزياء النظرية) تنتظر هذه التجربة منذ عقود، بالإضافة إلى أسئلة تجريبية لا تقل إلحاحا/إصرارا عن الأولى.

غير أن المقال، جانب الصواب من عدة زوايا، فعلى سبيل التمثيل لا الحصر، سمى الكاتب الجليل (و هو ممن أحب كتاباته و أتابعها) جهازين من أعظم الأجهزة بغير اسمها. بل إنه خلط الحابل بالنابل (سدد الله خطاه). و يتمثل ذلك في قوله: المسارع أطلس ATLAS، و المسارع أليس ALICE، و المسارعات الأخرى LHCb, CMS. و هي في الحقيقة ليست مسارعات، بل هي كواشف. و كم سيغضب فيزيائيو المسارعات و فيزيائيو الكواشف إن هم علموا بأن أحدا قد ساوا بينهما، و بين دراساتهما، و أجهزتهما!

إن المصادم الهادروني الضخم، بما يحويه من مغانط فائقة، و قاذفات جسيمية، و مغانط رباعية القطب، و ما يسبقه من مسارعات سنكروترونية (سأسميها دائرية للتسهيل)، و معزز للمسارع الدائري، و مسارعات خطية. كل تلك المنظومة هي منظومة مسارعات، تقوم بتعجيل/تسريع الجسيمات الأولية (و ليس الجزيئات، فكل مصطلح له معنى خاص) و تحديدا البروتونات (و ليس البروتينات) التي تمثل جزءا من مكونات نواة الذرة، في اتجاهين متعاكسين، حتى تجبرهما على الاصطدام في نقاط التقاء، و تقع نقاط الالتقاء هذه في قلب الكواشف الضخمة التي تمكن العلماء من دراسة الجسيمات الناتجة عن التصادم. و من تلك الكواشف ما ذكر الكاتب القدير و لكنه سماها مسارعات خطأ.


الأحد، ١٠ أغسطس ٢٠٠٨

الكاتب المغرور، و القارئ الساذج



تعج صحفنا اليومية بعدد كبير من الكتاب و الكاتبات (و سأعمم بالتذكير) الذين يطرحون لنا يوميا ما يمتد بين المفيد و غير المفيد. و من بين أولئك الكتاب قد يجد القارئ كاتبا يواكب تطلعاته و يوافق توجهاته أيا كانت. فيرتبطا ببعضهما في علاقة القارئ/الكاتب. غير أن تلك العلاقة قد تتطور في الغالب إلى علاقة تلٍّق بلا نقد؛ فتستحيل إلى تبعية من القارئ للكاتب -على أي حال، قد يحدث العكس أحيانا، و لكن ذلك خارج اهتمام موضوعي هذا-.

و قد يستحسن الكاتب ذلك فيغتر بنفسه. و الملاحظ هو أنه ما أن تتحول علاقة القارئ و الكاتب إلى تبعية الأول للثاني، إلا و تتغير مقالات الكاتب و تفاعل القارئ معها إلى نوع من السذاجة. و يزداد الأمر سوءا إذا وصل الكاتب لمرحلة الغرور و هو حديث عهد بالكتابة و إن كانت يومية. فعندنا في الصحافة السعودية من احترفوا الكتابة لعقود، أو من كتبوا و هم في الأصل أصحاب حضور ثقافي أو إداري أو علمي ملموس في المجتمع. و كم هو شاسع الفرق بين صاحب الخبرة الكتابية أو البصمة الثقافية حينما يتفاعل مع القارئ باتفاق أو اختلاف، و بين حديث العهد بالكتابة الذي أحب حرف الدال أكثر من اسمه.

على أي حال، يبقى على القارئ أن يعي أن الكاتب لا قيمة له دون القارئ. لذا فإننا بوصفنا قراء يجب ألا نركن لكل ما يكتبه الكتاب، بل علينا أن نعمل عقولنا أثناء التعامل مع ما نقرأ. غير أني لا أقصد التعميم بأن كل القراء على تلك الشاكلة التي يتسم بها السذج. و لكن، هي دعوة إلى التفكر، و التحلي بأسلوب النقد و التثبت.

و الحق أن تلك طبيعة كثير من الناس و تحديدا في مجتمعاتنا العربية المتخلفة. و أعني اتسام بعض القراء بما يسمى بعقلية القطيع، فهي تتبع دون تفكير، و سهولة أن يصاب بعض الكتاب بالغرور بسبب الثناء و المديح الذي يكال إليهم و تحديدا من القارئ الساذج، و شتان بين مدح القارئ الناقد و مدح القارئ الساذج، حتى أضحت العلاقة بين الكاتب المغرور و القارئ الساذج كعلاقة المتكبر المترفع الذي يلقي لكلابه اللقمة بكبرياء.

إذن، لابد من التفكر و النقد، كي تصبح العلاقة بين الكاتب و القارئ علاقة ثقافية تقوم على الأخذ و العطاء و الإفادة و لاستفادة و المساهمة في الرقي بالمجتمع من جانب ثقافي و علمي و حضاري.