الثلاثاء، ١٦ سبتمبر ٢٠٠٨

الرؤية التصحيحية للتاريخ


قد يلاحظ المهتم من غير المختصين بالتاريخ، وجود نوع خاص من كتب التاريخ التي تنظر إلى الماضي و ما كتب عنه بأسلوب لم يعتده الكتاب من قبل. و أعني تحديدا كتب الرؤى التصحيحية للتاريخ.

مما لا شك فيه أن الفضل بعد الله في نشوء هذا اللون؛ هو التطور المطرد للمنهج العلمي في البحث. و هو المنهج الذي ابتدأه علماء الإسلام في العصر الذهبي العباسي، و من ثم انتقل إلى الأوروبيين عن طريق الأندلس و البندقية و غيرها، الذين أرسوا قواعد المنهج العلمي الحديث بناء على أبحاث كوبرنيقوس و بيكون و جاليليو و كبلر و نيوتن، التي تعتمد على التجربة و التحليل و الدليل المادي و الرصد و التفكير الناقد. ثم ما لبث أن انتقل هذا المنهج المعرفي إلى سائر العلوم الأخرى و تحديدا العلوم الإنسانية كالأدب و تاريخ الفن و التاريخ و علم الاجتماع و غير ذلك.

و لو حصرنا كلامنا هنا عن التاريخ، فسنجد أن التاريخ يعد من أوسع المجالات التي يمكن أن تستفيد من المنهج العلمي الموضوعي الحديث و ذلك في البحوث التاريخية، بحيث يقترب ما يتوصل إليه الباحثون من نتائج أكثر ما يمكن إلى ما وقع حقا من أحداث في الماضي، أو أن يتم تحليل ما أحداث التاريخ وفق ذلك المنهج.

و لكن لكي نحق الحق، بإمكاننا أن نوازن ما بين التاريخ و علوم الشريعة. فعلماء الشريعة المسلمون انتهجوا منهجا علميا صارما و موضوعيا لأبعد حد منذ عصر صدر الإسلام و عصر تدوين الحديث و ما بعده. و لنا في علم الجرح و التعديل (أو ما يسمى علم الرجال) دليلا و شاهدا على دقة تلك المنهجية الشرعية. فمثلا، عندما كان علماء الشريعة يدونون الحديث أو الآثار أو يتداولون القراءات السبعة و العشرة و الأربعة عشرة، أو حتى كتب اللغة ككتاب سيبويه الذي يوجد في عصرنا هذا من يرويه متسلسلا إلى سيبويه نفسه و قبل ذلك و أهم منه من يروي القرآن حتى النبي صلى الله عليه و سلم، و رواة البخاري و مسلم...إلخ.

و قد كان علماء و رواة مصادر الشريعة و ما زالوا يحرصون أشد الحرص على معرفة حال الراوي و ناقل الخبر، فهو إما أن يكون ثقة أو منكر أو غير ذلك من تصنيفات علم الجرح و التعديل. بل إنهم كانوا يتتبعون حال الراوي و حياته حتى إن بعض الرواة الذين كانوا ثقات في زمن من عمرهم، أصبحوا ممن تنكر رواياتهم لضعف حفظهم بسبب كبرهم أو غير ذلك. فيا لها من دقة متناهية.

إذا عدنا إلى التاريخ، نجد أن رواة التاريخ من علماء ثقات و أفاضل، كانوا ينقلون الأخبار في كتبهم -كالبداية و النهاية للإمام ابن كثير- أخبارا تتفاوت من حيث سلسلة رواتها (أي من حيث أسانيدها) ما بين المقبول و المرفوض على ميزان الجرح و التعديل. و لكن مجال التاريخ لم يلقَ الاهتمام الشديد نفسه الذي تلقته علوم الشريعة و لا عجب.

على أي حال، في عصرنا الحاضر، تتوفر لعلماء و لباحثي التاريخ وسائل علمية منهجية لم تتوفر من قبل. فاليوم بإمكان الباحث أن يقارن بين عدد من الكتب و الروايات التي تتوفر في المكتبات أو الأوعية المعلوماتية الإلكترونية، بما لم يتوفر للعلماء و الباحثين من قبل. أضف إلى ذلك، وجود الآلاف من المخطوطات و الرسائل التي لم ير بعضها غير كتابها و بعض ذراريهم في تلك الأزمان. و فيما يخص المخطوطات، فإن من فضل الله توفر تقنيات حديثة لفحص بعض تلك المخطوطات و الرسائل و ذلك من أجل التحقق من صحة أصولها التاريخية، فكم و كم من المخطوطات التي زورت أو اختلقت و لكن كانت التقنية الحديثة المتوفرة لدى الباحثين لها بالمرصاد.

و من تلك الوسائل، المسكوكات و النقود التي تعد دليلا لا يسع أحد رده في إثبات الأحداث التاريخية، و هي مما لا تشير له كتب التاريخ إلا بعض ما ندر من مخطوطات. و كم من الأحداث أو الوقائع التي نقلت في كتب التاريخ ثم اكتشف خطؤها أو قصورها لوجود مسكوكة هناك أو هناك. و قد حدثني الدكتور نايف الشرعان الباحث المعروف في مجال العملات و المسكوكات الإسلامية و التاريخ الإسلامي أنه توجد ولايات و ثورات حصلت في التاريخ و لكنها لم تدون و لم تعرف للباحثين و المختصين سوى عن طريق العملات التي سكت في تلك الأزمنة. أو وجود امتدادات لبعض الدول في أمكان لم تذكرها كتب التاريخ، أو استقلال أخرى عن دول تنقل لنا كتب التاريخ أنها تتبع إليها.

إن وجود هذه الوسائل الحديثة التي سخرها الله لنا بفضله ثم بجهود العلماء و الباحثين و التقنيين، يدعو إلى الحاجة إلى مشروع بحثي علمي موضوعي لإعادة كتابة كثير من أحداث التاريخ فيما يسمى بالرؤى التصحيحية، و ذلك من أجل أن نحصل على تصور صحيح و دقيق لأحداث الماضي التي انتصب بعض الناس من ضعاف النفوس أو من عديمي الأمانة لكي يشوهوا أو يحرفوا أحداثها من أجل غاية في أنفسهم، أو جهلا منهم.

ختاما، كم هو جميل أن نرى في مكتباتنا العربية مجموعة من الكتب التي تنظر إلى التاريخ بنظرة فاحصة، لتميز بين ما فيه من افتراءات و حقائق. فالقارئ العام و المختص و المهتم يحتاج لمثل هذا الجهد العظيم الذي يتحرى الدقة. يقول الله سبحانه و تعالى:”يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ” [الحجرات:٦].


ليست هناك تعليقات: