السبت، ١٦ أغسطس ٢٠٠٨

الحوار

قبل تسع سنوات من الآن، كتبت خيرية السقاف مقالا في جريدة الجزيرة عنوانه:”الحوار، حافز الثراء”، و تناولت فيه أهمة الحوار لجميع فئات المجتمع، و مما قالت:”...عندما تُتاح فرص الحوارات الإنسانية تتسع نطاقات الوعي، ويُمنح الجمهور فرص التفاعل الحي والملموس الذي من شأنه أن يصل إلى نتائج مؤثرة سريعة...”.

عندما أربط ما كتبته خيرية السقاف بواقعنا اليوم (و إن لم يكن بعيدا عن تاريخ كتابتها المقال)، أجد أثر ما تقوله آخذ في الظهور في مجتمعنا الذي يريد له ولاة الأمر أن يتبنى ثقافة الحوار. فمن حوارت داخلية، شملت جوانب اجتماعية، و تعليمية، و طائفية، و فكرية، و غيرها. إلى حوارات عربية، إلى حوارات إسلامية، إلى حوارات دينية عالمية.

من جهة أخرى كانت هناك و ما زالت حوارات خارج نطاق الحكومة (كالتي سبق ذكرها)، و هي تأخذ مجراها في الصحف، شارك فيها كبار العلماء و بعض المثقفين، و بعض الذين لا يعون ما يقولون! و هناك حوارات في الجامعات، حول سبل التطوير، و هناك حوارات بين المجتمع و الوزارات، و هناك حوارات أخرى... آخذة في النمو و الاتساع.

كم هو جميل أن نتحاور، و لكن الأجمل أن نتحلى بآداب الحوار. و أن نخرج من حواراتنا بنتائج فاعلة نرى لها أثرا ظاهرا في المجتمع، أو في أنفسنا أو في وطننا.

الحوار وعي.

الاتكاء على الجرف!

في بعض أقطار عالمنا العربي، يعيش بعض الناس في مجتمعات تتمزقها بعض العادات و الضغوطات، فيعتري أنفسهم اختلال. فهم لا ينكرون ذواتهم بل ينكرها غيرهم. مما يفاقم ذلك الاختلال.

و لكن، قد يوجد هنا أو هناك من يتكسب رزقه بالطبطبة على أولئك الناس، فيتكالبون حوله. فيرضى الطرفان، إذ إن أحدهما وجد لنفسه مأوى، و الآخر وجد لدخله مصدرا. فتنشأ بينهما علاقة ظاهرها أنها وطيدة -بما لهما من صلات مشتركة تضرب بجذورها أعماق التاريخ- و باطنها الغش و التدليس و الخداع -في سبيل جاه أو حسب، أو نسب، أو مال-.

لم يدرك الطرفان أن كلاهما يتكئ على حافة جرف. و أنهم لا محالة واقعون فيه إلا برحمة من الله. و كلاهما يخوض فيما لا يعلم، كي يظهر لمجتمعه أنه يعلم، أو أنه شيء و هو لا شيء. و ما أكثرهم.

لا أدري كيف نفسر مناسبة قول ابن حجر:”و إذا تكلم المرء في غير فنه أتى بهذه العجائب” و موافقتها لكثير مما يقع حولنا، أو ما تمر عليه أبصارنا من مقالات أو موضوعات، أو غير ذلك؟ و خصوصا تلك التي يقولها أو يكتبها من أسلفت الإشارة إليهم.

غير أن أحد التفاسير التي لا مناص منها هو أن كثيرا منهم قد فقد أمانته، و ضميره، و خلقه، و قبل ذلك و بعده: دينه، و إن أظهر في كلامه أنه العابد التقي، أو أنه المتقصي للحقيقة الباحث عنها. نسأل الله السلامة و العافية.

رصد المجتمع، يجلب الكآبة في كثير من الأحيان، و يبعث على السخط، فما أكثر الزبد! و الله المستغفر و المستعان.

الجمعة، ١٥ أغسطس ٢٠٠٨

إذا تكلم المرء في غير فنه أتى بهذه العجائب!

"إذا تكلم المرء في غير فنه أتى بهذه العجائب!": كملة قالها ابن حجر -رحمة الله عليه-. و هي أول ما خطر ببالي عندما قرأت مقال الدكتور خالص جلبي -وفقه الله- في مجلة المجلة و المعنون بـ”الانفجار العظيم على وجه الأرض”.

هدف المقال هو عرض جملة من المعلومات حول تجربة المصادم الهادروني الضخم (LHC)، و التي تعد أضخم تجربة في تاريخ العلوم. و هدفها هو سبر أغوار المادة إلى أصغر القياسات الممكنة، و أعلى الطاقات الممكنة؛ لكي يزداد فهم العلماء للطبيعة (في مستوى الجسيمات الأولية و التداخلات الحاصلة بينها)، و لكي يستشفوا الإجابات عن أسئلة نظرية (نسبة إلى الفيزياء النظرية) تنتظر هذه التجربة منذ عقود، بالإضافة إلى أسئلة تجريبية لا تقل إلحاحا/إصرارا عن الأولى.

غير أن المقال، جانب الصواب من عدة زوايا، فعلى سبيل التمثيل لا الحصر، سمى الكاتب الجليل (و هو ممن أحب كتاباته و أتابعها) جهازين من أعظم الأجهزة بغير اسمها. بل إنه خلط الحابل بالنابل (سدد الله خطاه). و يتمثل ذلك في قوله: المسارع أطلس ATLAS، و المسارع أليس ALICE، و المسارعات الأخرى LHCb, CMS. و هي في الحقيقة ليست مسارعات، بل هي كواشف. و كم سيغضب فيزيائيو المسارعات و فيزيائيو الكواشف إن هم علموا بأن أحدا قد ساوا بينهما، و بين دراساتهما، و أجهزتهما!

إن المصادم الهادروني الضخم، بما يحويه من مغانط فائقة، و قاذفات جسيمية، و مغانط رباعية القطب، و ما يسبقه من مسارعات سنكروترونية (سأسميها دائرية للتسهيل)، و معزز للمسارع الدائري، و مسارعات خطية. كل تلك المنظومة هي منظومة مسارعات، تقوم بتعجيل/تسريع الجسيمات الأولية (و ليس الجزيئات، فكل مصطلح له معنى خاص) و تحديدا البروتونات (و ليس البروتينات) التي تمثل جزءا من مكونات نواة الذرة، في اتجاهين متعاكسين، حتى تجبرهما على الاصطدام في نقاط التقاء، و تقع نقاط الالتقاء هذه في قلب الكواشف الضخمة التي تمكن العلماء من دراسة الجسيمات الناتجة عن التصادم. و من تلك الكواشف ما ذكر الكاتب القدير و لكنه سماها مسارعات خطأ.


“تقهر” غيرك على حساب نفسك!

فلانة تقرر أنها لن تدخل الجامعة لكي تغيظ أباها الذي يريدها ألا تختص في مجال ما. و فلان يقرر الانسحاب من الفصل الدراسي دون اعتذار نكالة بدكتور إحدى المواد. و فلانة تقرر البقاء مع زوجها الذي أفسد عليها حياتها ليعتبر أحد من أهلها. أو أن ترفض علانة الزواج ممن هو أهل للزواج لتؤدب أهلها. أو أن يهجر أحدهم قراءة صحيفة ما ليقاطع كاتبا فيها. أو ألا يتابع فلان أحوال الغرب أو يستفيد من منتجاتهم لكي يغيظهم و يقاطعهم و يخسرهم. أو أو أو.

كل ما سبق حالات تقع كثيرا، حيث يقرر شخص ما أن يهجر أو أن يبقى على ما من شأنه أن يؤذيه أو على الأقل ما من شأنه أن يفرش البساط الأحمر لمن أراد أن يؤذيه، و ذلك لكي “يقهر” غيره “على حساب نفسه”.

لا أدري أهو ضرب من العناد؟ أم الجهالة؟ أم الغباء؟ أم كل ذلك؟ أم مزيج منها؟ و لكنني أدري أن منتهج ذلك السلوك أعوج التفكير بلا ريب.

غير أن انتشار هذا السلوك بين كثير من الناس -و منهم كاتب هذه المقالة- قد يدل على خلل في بنية المجتمع و بعض عاداته التي تقدم شأن الآخر على شأن النفس. و إلا فلماذا يحرم أحدنا نفسه أو من هو تحته من خير من أجل أن يبث الغيظ أو أن يقال عنه ما من شأنه أن يرضي كبرياءه. بل أحيانا، نعزف عن أمر بسبب شخص، و هذا الشخص لم يلق لنا بالا على الإطلاق! فأي غباء هذا و أي جهل مركب هو؟!

و هنا أتوقف لأدع فرصةً للقارئ لتأمل ما سبق. لعل التأمل يغير من بعض عاداتنا.

الخميس، ١٤ أغسطس ٢٠٠٨

كالمرآة كونوا!


تتنوع اهتمامات الكتاب و الكاتبات في صحفنا بشكل عام، و هو أمر محمود بلا شك. غير أنه يندر من بين الكتاب - و تحديدا من يطالع منهم الصحف الغربية و يتابع منتجات مثقفيها و كتابها- من يتفاعل مع قضايا تتعلق بالإسلام و القرآن و محمد صلى الله عليه و سلم، لحساب تفاعل بعضهم مع شؤون أدبية و سياسية يطرحها الغرب.

إن بعض كتاب الغرب يعادون الإسلام بناء على ما يتداوله أكثر المجتمع الغربي من معلومات مغلوطة، أو ناقصة، أو مؤدلجة، بالإضافة إلى ما تقدمه الفئات الضالة من صورة مشوهة للإسلام في مختلف أرجاء العالم.

و كم هو مؤسف أن نقرأ ما يكتبون من أخطاء، و لا نجد من يرد عليهم ليصحح تصوراتهم. صحيح أن الكتابة باللغة الإنجليزية على مستوى قابل للنشر الصحفي ليس بأمر هين، ولكن ألا يوجد لدينا من أمضوا سنين من عمرهم يتعلمون في دول ناطقة بالإنجليزية، فيكون منهم من يتفاعل و لو لمرة واحدة مع ما يطرحه الإعلام الغربي؟

كم هو جميل أن ينقل لنا بعض الكتاب بعض ما يحدث في العالم الغربي، و لكن كم سيكون أجمل لو أنهم نقلوا تصوراتنا إلى الإعلام الغربي، ليكونوا كالمرآة تعكس الصورة من جهتين بينهما حاجز. و طوبى لهم.

الأربعاء، ١٣ أغسطس ٢٠٠٨

شباب و خدم!

على الرغم من التطور الثقافي الذي يأخذ مجراه في مجتمعنا، و الانحسار التدريجي لثقافة (الواسطة) و غيرها؛ في ظل التوسع في استخدام الحكومة الإلكترونية، و تبني الجهات التعليمية لثقافة (اقتصاد المعرفة)، فإن كثيرا من شبابنا ما زالوا ينأون بأنفسهم عن تحمل مسؤولياتهم الحياتية.

فهذا شاب (أو شابة) يلح على والده (أو والدته) الذي يعرف زميلا له يعمل في قطاع ما، ليشفع لابنه (و الشفاعة خير) في دخول الجامعة أو الحصول على وظيفة ما. و ليس العيب في الشفاعة، و لكن العيب في تنصل الشاب عن القيام بمتابعة أموره و تسيير إجراءاته بنفسه. فيترك المهمة للمتشفع الذي يريد أن يكسب مودة زميله الذي طلب خدمته.

ذلك أمر بغيض، لا يدل إلا على تعاسة الشاب الذي اعتاد على ثقافة الخدم في المنزل -و غيره- فظن أن الناس جميعا خدم له. يأمرهم فيطيعونه و يقومون بما يوكلهم إليه من أعمال ليس أحدا مسؤول عنها غيره.

و لكن الخطأ في الأصل يقع على عاتق الوالد الذي لم يلزم ولده بالخروج لمتابعة شؤونه بنفسه. فالشفاعة إن نجحت يكون ما بعدها من إجراءات خارج عن عبء المتشفع، و داخل في شأن الشاب و مهامه.

فإلى متى ندع أبناءنا و بناتنا يركنون إلى ثقافة الخدم، و العالم من حولهم يتقدم و يرتقي سلم الحضارة بكفاح و صبر و جلد و تحمل كامل للمسؤولية؟

حري بنا أن نربيهم على تلك الصفات التي يحتاجها الوطن في سبيل التطور الذي ينشده المجتمع و ولاة الأمر. و إلا فإن مثل هذه التربية قد تقوض كل ما بناه القائمون على التنمية في زمن يسود فيه (اقتصاد المعرفة) و الإبتكار اللذان يعدان أصل التحضر و التقدم في زمننا هذا.

الاثنين، ١١ أغسطس ٢٠٠٨

كن مبدعا كي تبدع ذريتك!

نلاحظ أحيانا تفوّق أعضاء عائلة واحدة في المجال نفسه (كالعلوم، أو الفن، أو الكتابة أو الإدارة أو التجارة أو الطب، إلخ). أو أن أبناء المشاهير يصبحون مثلهم أحيانا.

توجد دراسات -في العالم الغربي- منذ ما يزيد عن ١٠٠ عام عن علاقة الإبداع أو الشهرة بالوراثة. أي فيما إذا كان الإبداع أو الشهرة يورثان!

صحيح أن العلاقة بينهم ليست واضحة تماما، غير أن الدراسات تشير إلى أن أبناء المشاهير و المبدعين، يسيرون على خطى والديهم. و الأبناء تحديدا هم أكثر حظا في ذلك موازنةً (مقارنةً) مع غيرهم من الأقارب، و إن كانت الدراسات نفسها تشير إلى أن الأقرباء أيضا لهم فرصة في أن يصبحو مثل أقربائهم المشاهير أو المبدعين.

لذلك، إذا لم تكن من عائلة شهيرة، أو عُرفت بالإبداع. فكن كذلك؛ لكي تصبح ذريتك مبدعة مثلك.

و لا تحتج بكونك لست من نسل مبدعين؛ لأن مسألة الوراثة لم تثبت بعد! و إن ثبتت؛ فاعمل لكي تورِّث أبناءك الإبداع!