السبت، ٣٠ مايو ٢٠٠٩

كيف تصبح عالما في العالم العربي؟

لا يخفى على القارئ المطلع و لا المهتم بشؤون الثقافة و العلم في المجتمع العربي و الإسلامي؛ أن وضعية العلوم الطبيعية و مسيرتها في العالم العربي تكاد أن تكون مشلولة. فمثلا، خلال المئة عام -أو ما يزيد بقليل- من تاريخ جائزة نوبل، لم يحصل على الجائزة من العلماء العرب و المسلمين إلا عبد السلام من باكستان و زويل من مصر. و هما لم يقدما إنجازاتهما من خلال جامعات بلدهم الأصل. بل في كلية إمبريال -جامعة لندن ببريطانيا -حيث كان يعمل عبد السلام في السبعينات الميلادية- و معهد كاليفورنيا التقني -حيث يعمل زويل-. و قد هاجر كل منهما بعد الحصول على درجة الدكتوراه. و العلماء العرب و المسلمين و إن وجدوا فإنهم ندرة بالمقارنة مع غيرهم، و غالبا ما يكونوا يعملون خارج بلادهم.

بين الفينة و الأخرى، نسمع أو نقرأ في الصحف المحلية عن شخص عربي استطاع أن ينفي النظرية النسبية لآينشتاين -و هي نظرية عمرها يزيد عن المئة عام حاليا- أو أن يهز عرض الرياضيات بإثبات ما أو أن يكتشف علاجا للعمى أو غير ذلك. و لكن عندما نتقصى الأمر بدقة، نجد أن ذلك الإنجاز المزعوم لم يتم من قبل متخصص في المجال -غالبا- و لم يتم نشره أو قبوله في المجتمع العلمي العالمي -من خلال المجلات المحكمة أو المؤتمرات الهامة-. 

و غالبا ما يقول أحدهم أن العالم الغربي لا يقبل إنتاج العالم العربي، و ما شابه ذلك من كلام القائلين بنظرية المؤامرة. و قد نسوا أن المجتمع العلمي اليوم مجتمع عالمي بكل ما تحمل الكلمة من معنى، حتى و إن كانت المجلات الأشهر و المؤتمرات الأهم تقام في دول غربية، إلا أن الناشرين فيها و المشاركين فيها من مختلف بقاع الأرض. حتى من جامعات الدول العربية. 

يبدو بكل أسف، أن أسهل طريق لكي يشتهر أحدهم لدينا في العالم العربي هو بأن يقول بأنه قد نقض النسبية. و لا عجب أن تستقبله الصحف لأنها أخبار تثير الفضول. و لكن المؤسف، أن نكون في عالمنا العربي جهلة لدرجة أننا لا نفرق بين الغث و السمين في عالم العلوم، و كل ذلك بسبب ضعف اهتمامنا شعوبا و حكومات بالعلوم. و عدم وعينا بأهميتها في تطوير جميع مناحي الحياة، من الطب و الهندسة و التقنيات الجديدة، فضلا عن تأثيرها الثقافي البالغ الأثر على مجتمعات العالم إلا ما ندر.. و العالم العربي يقع من ضمن تلك المجتمعات التي يندر أن يكون للعلوم أثر فيها.

أختم بنقطة تفاؤل... فكم نرجو أن يساهم المختصين في العلوم من العلماء العرب في توعية الشعوب و الحكومات، و العمل بجهد شاق من أجل تغيير الأوضاع -من الثقافة إلى الاقتصاد- في العالم العربي و الإسلامي.

الاثنين، ٢٢ ديسمبر ٢٠٠٨

نقص الوعي في المجتمع

أصاب بالدهشة -ولا أشك أن كثيرا غيري كذلك- عندما أقرأ تعليقات كثير من أبناء وطننا على بعض المقالات في الصحف أو في المنتديات. و تحديدا التعليقات على مقالات تتحدث قضايا مثل: النفط، التلوث، العلوم، الاقتصاد، إلخ... حيث إن سمة الجهل و البلادة تبدو و قلة الوعي تظهر على كثير منها!!

فبينما يعلم كثير منا -سواء من المختصين أو المثقفين المطلعين- أن النفط مادة آيلة للنضوب. و مع ذلك تجد من لا يلقي بالا للأمر، بل و يدعي أن النفط سيظل المصدر الأول للطاقة في العالم!!
أما إذا ما أشير إلى مسألة المناخ و التلوث.... فقد يستهزئ المعلق، أو يحتج بقضاء الله و قدره!

على أي حال، على الرغم من أن ذلك يشعر المرء بالمقت و الشفقة. فإنه من المؤكد أن الإعلام له دور في ذلك و خاصة كتاب الزوايا... فكثير منهم جهلة -علميا- فلا يتطرقون لتلك الأمور، و لا يساهمون في توعية المجتمع. بل نجد في الفترة الراهنة أن كثيرا من الكتاب... يسعى سعيا حثيثا لتغيير أفكار المجتمع... أو ينصب نفسه بأنه "الرأي العام" للمجتمع. 

أخيرا... لا يوجد أسهل من الشكوى و التعليق على الأخبار، و القرارات.... و لكن الصعب هو أن نوعي الناس علميا.. و أن نسعى إلى تبديل جهلهم و قلة وعيهم و بلادتهم و لا مبالاتهم إلى علم و معرفة و نباهة و اهتمام.

الجمعة، ٢٦ سبتمبر ٢٠٠٨

إنهم يكرهون نفطنا!

مما يضيف السخونة إلى صيف هذا العام، خطب كبار سياسيي أمريكا و بريطانيا التي يطرحون فيها نظرتهم لمستقبل بلادهم و العالم استعدادا للانتخابات الرئاسية. و هي و إن كانت خطب “سياسية”، غير أنها لا تفصح عن التغيرات المستقبلية المحتملة للسياسة و حسب، بل عن التغيرات الاقتصادية و المناخية و غير ذلك، مما يمس حياة كل فرد على وجه الأرض بشكل مباشر أو غير مباشر. نظرا لكونها الدول التي تسيطر على الصناعات و التقنيات و المال.

و الملاحظ هو أن قضية “ترك الاعتماد على نفط الشرق الأوسط في أقرب فرصة” تعد من أهم القضايا التي يتم التركيز عليها في تلك الخطب. و هو أمر لا ينبغي أن نتركه يمضي بلا تدقيق و تفكير و تخطيط سليم. فالأمر قابل للتحقيق خلال العشر السنوات القادمة -بحسب تخطيطات باراك أوباما و الاتحاد الأوروبي قبله-! فإن لم نواجه ترك ذلك الاعتماد على نفطنا بإيجاد مصادر دخل جديدة لبلادنا، فمن المحتمل أن ينهار اقتصادنا بشكل يعيدنا إلى عقود إلى الخلف -لا قدر الله-.

و لكن مما لا شك فيه، أن وطننا قادر على إيجاد بدائل، و قد تحدث وزير النفط و الثروة المعدنية عن إمكانية التحول إلى إنتاج الطاقة الشمسية مستقبلا، و ربما النووية، بحسب ما نلمس من إصرار و عزيمة على إمتلاك الطاقة النووية في الشرق الأوسط، و لا سيما مبادرة دول الخليج الأخيرة للتعاون مع وكالة الطاقة الذرية لتحقيق ذلك.

إن في التطور العمراني و ما يتبعه من استثمارات سياحية في دول الخليج، مصدر دخل عظيم. و لكن الاعتماد عليه وحده لن يسد ثغرة ترك الاعتماد على النفط أو تركه مستقبلا. لذا، فإن الحكمة أن تنظر دولنا الحبيبة إلى التحول إلى الصناعة و التقنية، فهي مجالات ضخمة تجلب رؤوس أموال و موارد و صادرات هائلة، توازي نظيرتها المرتبطة بالنفط.

و لكن المشكل، هو أن قطاع الصناعة و التقنية يعتمد كليا على النفط كمصدر للطاقة. و من هنا تأتي أهمية أن يسبق ذلك التحول إلى الصناعة، تبنيا لمصادر طاقة بديلة للنفط. كالطاقة النووية و الطاقة الشمسية و طاقة الرياح و الكتلة الحيوية و غيرها. و ذلك تمهيدا لحلول عصر التقنية و الصناعة و الابتكار في دول الخليج، كمصدر دخل و تبادل اقتصادي بديل عن النفط الذي قد ينضب في المستقبل القريب.

إذن، نحتاج إلى تخطيط سليم و واع، لكي نضمن للأجيال التي ستأتي بعدنا العيش الكريم، في ظل عالم تتنازعه المشاكل و الأزمات السياسية و الاقتصادية. و الله المستعان و المستغفر.

الثلاثاء، ٢٣ سبتمبر ٢٠٠٨

فهم الدين “بالمقلوب"!


تشرق بنا الذنوب و تغرب. غير أن كثيرا منا -على الأقل في المجتمع السعودي- يعي حدوده، و يعرف الخطوط الحمراء التي لا ينبغي لأحد أن يتجاوزها، و من تجاوزها فإنه يعاقب اجتماعيا و قضائيا.


هنا، في بريطانيا، تجد بعض الناس شديدي الحرص على أكل اللحم الحلال -و هذا هو الواجب-، بل إنهم لا يعترفون و لا يلتفتون لأي اختلاف في مسألة أكل لحم أهل الكتاب. “حلال يعني حلال!”.


على الرغم من ذلك، فإن بعضهم لا يصلي إلا مرة كل ثلاث جمع، و لا يصوم إلا القليل من رمضان!! و يواجهك بابتسامة صفراء عندما تستهجن ما يفعل. و لكن، عندما تأتي القضية للأكل، يقول: حلال فقط.


بعد عدة حوارات مع بعض أولئك الناس -عافانا الله و إياهم- تجد أن تمسكهم باللحم الحلال ليس نابعا من تمسك بالشريعة، بل لسبب صحي. على الرغم من أن هذه المسألة يمكن أن نتجادل فيها. بل إن بعض ما يأكلون ليس حلالا. إذ لا يذكر اسم الله على كثير من الذبائح الذي تقدمها بعض الجاليات القاديانية و غيرها!


هناك قوم ممن يحملون هوية الإسلام، يقترفون ما يشيب له كبار العصاة في بعض المجتمعات. و لا يعني ذلك أن يطمئن المذنب لوجود من هو أعظم منه ذنبا، و لكنها مفارقة. الذنب في مكان، مباح في آخر، و الكفر في مكان، ذنب في آخر!

الأحد، ٢١ سبتمبر ٢٠٠٨

هم و نحن


على الرغم من عدم اقتناعي أن الغرب أكثر تحضرا منا -على الأقل في كثير من الأمور الأخلاقية-، غير أنهم لا يزالون يدهشونني من حين لآخر.


البارحة، وصلت إلى مطار هيثرو قادما من الرياض. و ما أن خرجت من الازدحام الشديد في منطقة الجوازات إلى البهو العام حيث يتوجه كل إلى طريقه، لفت انتباهي وجود نوع غريب من الأشخاص. فنحن معتادون في المطارات على رؤية أصحاب اللوحات ذات الأسماء، حيث ينتظر أحدهم واحدا من القادمين، أو الأهالي و الأصدقاء الذين ينتظرون معارفهم أو أقاربهم. 


غير أن هؤلاء الأشخاص الذين رأيتهم في هيثرو كانوا مختلفين عن أي شيء رأيته من قبل. فهم منتشرون في أنحاء عديدة، و يلبسون “تي شيرت” واحدا، كتب عليه:”للطلاب، نحن هنا لنساعدك”. و قد ظننت أول الأمر أن الأمر خاص للطلاب الصينيين لأن أول شخص رأيته بدا و كأنه من الصين، غير أنني مع كل عدة خطوات أخطوها، أجد أشخاصا آخرين يلبسون الـ”تي شيرت” نفسه، و فيهم الشاب و الشايب!  يقدمون المساعدة لمن احتاجها.


ابتسمت، و قلت، ما الذي يدفع هؤلاء إلى مثل هذه الأعمال التطوعية؟ أهو المال؟ أهو حب المساعدة و الخير؟ أيا كان الدافع، فهو أمر طيب جدا، أن تجد من يساعدك.


تخيلت ما سيكون المنظر في مطار الرياض؟ تجمع من الأقرباء أو الأصدقاء، و أصحاب اللوحات. و، لا، ليس من يساعدك، بل من يقول لك: “توصيلة يا الطيب؟!”. رزقنا الله و إياهم.

الثلاثاء، ١٦ سبتمبر ٢٠٠٨

الرؤية التصحيحية للتاريخ


قد يلاحظ المهتم من غير المختصين بالتاريخ، وجود نوع خاص من كتب التاريخ التي تنظر إلى الماضي و ما كتب عنه بأسلوب لم يعتده الكتاب من قبل. و أعني تحديدا كتب الرؤى التصحيحية للتاريخ.

مما لا شك فيه أن الفضل بعد الله في نشوء هذا اللون؛ هو التطور المطرد للمنهج العلمي في البحث. و هو المنهج الذي ابتدأه علماء الإسلام في العصر الذهبي العباسي، و من ثم انتقل إلى الأوروبيين عن طريق الأندلس و البندقية و غيرها، الذين أرسوا قواعد المنهج العلمي الحديث بناء على أبحاث كوبرنيقوس و بيكون و جاليليو و كبلر و نيوتن، التي تعتمد على التجربة و التحليل و الدليل المادي و الرصد و التفكير الناقد. ثم ما لبث أن انتقل هذا المنهج المعرفي إلى سائر العلوم الأخرى و تحديدا العلوم الإنسانية كالأدب و تاريخ الفن و التاريخ و علم الاجتماع و غير ذلك.

و لو حصرنا كلامنا هنا عن التاريخ، فسنجد أن التاريخ يعد من أوسع المجالات التي يمكن أن تستفيد من المنهج العلمي الموضوعي الحديث و ذلك في البحوث التاريخية، بحيث يقترب ما يتوصل إليه الباحثون من نتائج أكثر ما يمكن إلى ما وقع حقا من أحداث في الماضي، أو أن يتم تحليل ما أحداث التاريخ وفق ذلك المنهج.

و لكن لكي نحق الحق، بإمكاننا أن نوازن ما بين التاريخ و علوم الشريعة. فعلماء الشريعة المسلمون انتهجوا منهجا علميا صارما و موضوعيا لأبعد حد منذ عصر صدر الإسلام و عصر تدوين الحديث و ما بعده. و لنا في علم الجرح و التعديل (أو ما يسمى علم الرجال) دليلا و شاهدا على دقة تلك المنهجية الشرعية. فمثلا، عندما كان علماء الشريعة يدونون الحديث أو الآثار أو يتداولون القراءات السبعة و العشرة و الأربعة عشرة، أو حتى كتب اللغة ككتاب سيبويه الذي يوجد في عصرنا هذا من يرويه متسلسلا إلى سيبويه نفسه و قبل ذلك و أهم منه من يروي القرآن حتى النبي صلى الله عليه و سلم، و رواة البخاري و مسلم...إلخ.

و قد كان علماء و رواة مصادر الشريعة و ما زالوا يحرصون أشد الحرص على معرفة حال الراوي و ناقل الخبر، فهو إما أن يكون ثقة أو منكر أو غير ذلك من تصنيفات علم الجرح و التعديل. بل إنهم كانوا يتتبعون حال الراوي و حياته حتى إن بعض الرواة الذين كانوا ثقات في زمن من عمرهم، أصبحوا ممن تنكر رواياتهم لضعف حفظهم بسبب كبرهم أو غير ذلك. فيا لها من دقة متناهية.

إذا عدنا إلى التاريخ، نجد أن رواة التاريخ من علماء ثقات و أفاضل، كانوا ينقلون الأخبار في كتبهم -كالبداية و النهاية للإمام ابن كثير- أخبارا تتفاوت من حيث سلسلة رواتها (أي من حيث أسانيدها) ما بين المقبول و المرفوض على ميزان الجرح و التعديل. و لكن مجال التاريخ لم يلقَ الاهتمام الشديد نفسه الذي تلقته علوم الشريعة و لا عجب.

على أي حال، في عصرنا الحاضر، تتوفر لعلماء و لباحثي التاريخ وسائل علمية منهجية لم تتوفر من قبل. فاليوم بإمكان الباحث أن يقارن بين عدد من الكتب و الروايات التي تتوفر في المكتبات أو الأوعية المعلوماتية الإلكترونية، بما لم يتوفر للعلماء و الباحثين من قبل. أضف إلى ذلك، وجود الآلاف من المخطوطات و الرسائل التي لم ير بعضها غير كتابها و بعض ذراريهم في تلك الأزمان. و فيما يخص المخطوطات، فإن من فضل الله توفر تقنيات حديثة لفحص بعض تلك المخطوطات و الرسائل و ذلك من أجل التحقق من صحة أصولها التاريخية، فكم و كم من المخطوطات التي زورت أو اختلقت و لكن كانت التقنية الحديثة المتوفرة لدى الباحثين لها بالمرصاد.

و من تلك الوسائل، المسكوكات و النقود التي تعد دليلا لا يسع أحد رده في إثبات الأحداث التاريخية، و هي مما لا تشير له كتب التاريخ إلا بعض ما ندر من مخطوطات. و كم من الأحداث أو الوقائع التي نقلت في كتب التاريخ ثم اكتشف خطؤها أو قصورها لوجود مسكوكة هناك أو هناك. و قد حدثني الدكتور نايف الشرعان الباحث المعروف في مجال العملات و المسكوكات الإسلامية و التاريخ الإسلامي أنه توجد ولايات و ثورات حصلت في التاريخ و لكنها لم تدون و لم تعرف للباحثين و المختصين سوى عن طريق العملات التي سكت في تلك الأزمنة. أو وجود امتدادات لبعض الدول في أمكان لم تذكرها كتب التاريخ، أو استقلال أخرى عن دول تنقل لنا كتب التاريخ أنها تتبع إليها.

إن وجود هذه الوسائل الحديثة التي سخرها الله لنا بفضله ثم بجهود العلماء و الباحثين و التقنيين، يدعو إلى الحاجة إلى مشروع بحثي علمي موضوعي لإعادة كتابة كثير من أحداث التاريخ فيما يسمى بالرؤى التصحيحية، و ذلك من أجل أن نحصل على تصور صحيح و دقيق لأحداث الماضي التي انتصب بعض الناس من ضعاف النفوس أو من عديمي الأمانة لكي يشوهوا أو يحرفوا أحداثها من أجل غاية في أنفسهم، أو جهلا منهم.

ختاما، كم هو جميل أن نرى في مكتباتنا العربية مجموعة من الكتب التي تنظر إلى التاريخ بنظرة فاحصة، لتميز بين ما فيه من افتراءات و حقائق. فالقارئ العام و المختص و المهتم يحتاج لمثل هذا الجهد العظيم الذي يتحرى الدقة. يقول الله سبحانه و تعالى:”يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ” [الحجرات:٦].


الاثنين، ٨ سبتمبر ٢٠٠٨

الطعام و السرطان و تنمية المجتمع


كثيرٌ من الأطعمة حولنا، تسهم في نشوء مرض السرطان! قد لا تكون تلك الأطعمة ذاتها هي السبب، بل طرق تقديمها و تحضيرها و تعليبها.

فمثلا، من المعروف -لكثرة ما تحدث بهذا أهل الإختصاص- أن البلاستيك إذا سخن فإنه يصدر موادا تعد عند أهل العلم: مسرطنة. مع ذلك نجد محلات الفول و التميس تعلب الفول الحار في علب بلاستيكية، و تضع التميس في أكياس البلاستيك الخفيفة. و نجد مستهلكي القهوة السعودية -أو الشاي أو غيرها من أنواع المشروبات الساخنة- من موظفين، يستخدمون أكواب بلاستيكية لتقديم القهوة. و نجد الخادمات أو من يطبخ في البيت أو في المطعم أو غير ذلك، يسخنون الأكل المعلب أو المغطى بمختلف المنتجات البلاستيكية في فرن المايكروييف، دون التفات لتحذيرات أهل العلم! على الرغم من وجود أنواع خاصة من البلاستكيك صالحة للاستخدام في المايكروييف (لا أدري أهذا النوع موجد لدينا أم لا؟ و لكنه موجود في الخارج).

البلاستيك هو أحد الأمثلة. توجد عادات أخرى تكلم عنها مرارا و تكرارا أهل العلم من أطباء و علماء تغذية و كيميائيين حيويين و غيرهم.

و لكن، المؤسف هو عدم استجابة الناس أو أصحاب المطاعم! قد يقول قائل أن هذا اختيار شخصي. و هو إن كان الظاهر، غير أن المسألة تتعلق بصحة المجتمع. إن مجتمعنا يطمح له ولاة الأمر أن يكون مجتمعا فاعلا منتجا و قد بدأت بوادر التغيير مع بداية عهد الملك عبد الله كما هو ملاحظ من إنشاء بنى تحتية و مدن اقتصادية و تطوير للتعليم و الشفافية بين الحكومة و الصحافة و الشعب.

و لكن، كيف يتحقق هذا الطموح إذا كنا شعبا مريضا؟ قد لا يعي بعض من يقرأ أن المرض يسبب خسائر فادحة للدولة، في جانب الإنتاج، و جانب الإنفاق على معالجة المرضى في المستشفيات الحكومية، و غير ذلك. و لا يفهمن أحد كلامي هذا أنني أقول إنني أعترض على قدر الله في المرض!

إن إهمالنا لصحتنا هو أحد القرائن التي تدل على ضعف ثقافتنا و وعينا، و هي حقا تستدعي العمل الجماعي المنظم و المدعوم من قبل الدولة على توعية الناس بوسائل و طرائق حديثة و قريبة من الثقافة الحالية لأكثر الناس--إذ كيف توعي من لا يعرف كيف يقرأ الجريدة بشكل صحيح أو لا يفهم ما يقوله خطيب الجمعة، بأسلوب و خطاب على درجة من الثقافة العالية! إذا فعلت ذلك فإن ذلك لن يجدي بالتأكيد.

الثقافة الغذائية جانب مهم من الوعي و الثقافة التي نطمح أن نصل إليها بوصفنا مجتمع نام يطمح لأن يصبح مجتمعا فاعلا منتجا على مستوى عالمي. لذلك، علينا جميعا أن نؤمن بها و لا نخجل أو نستحي من الحق و إن بدا تافها لبعض الناس.

--
لقد تطرق كثير من الكتاب الصحفيين لهذا الموضوع (مثل: منيف خضير، جريدة الجزيرة)، و لكن لم أقع على من يبين الأثر السلبي لجهلنا أو تجاهلنا للثقافة الغذائية في تعطيل تنمية المجتمع!